رد: رحلة الأحلام في المغرب
في الخامسة جائني عُمر مع زوجته بعد أن انتهى عملها في البنك الشعبي لحيث أسكن، وأعطيتهما ماجلبته من السعودية، حيث أتيت معي بالتمر المكنوز ونوع من البخور، وهذه عادة أقوم بها كلما سافرت، حيث أخذ من التمر الطيب لأهديه من أقابل أو من تربطني به معرفة أو صداقة.
أخذاني إلى مزرعة عمر وأهله، تبعد المزرعة خمس كيلو تقريباً عن مكناس على الطريق المؤدي لسيدي قاسم، أخذاني بجولة على المزرعة الجميلة التي تبلغ عشرات الكيلو هكتارات والتي ذكرتني بمزارعنا في السعودية، كانت المزرعة مليئة بأشجار الزيتون، وهذا أمر حتمي وطبيعي أن يوجد الزيتون في كل مزرعة كما توجد النخيل في كل مزرعة من مزارعنا، كان فيها الكثير من الفواكه كالبرتقال (الليمون كما يسمى بالمغرب) والليمون والكرز والتين والرمان والبرسيم والذورة والحمص وغير ذلك من أشجار وخضروات وفواكه، كما أن فيها مايزين فيه الشاي المغربي كالنعناع واللويزة وغيرها من الاعشاب التي تضفي طعماً لذيذاً على الاتاي، أخذ عمر من الاشجار أربعة أنواع منها النعناع واللويزة ونسيت العشبين الآخرين، وأعطهم الشخص الذي يعمل في مزرعتهم ويسكن مع عائلته داخلها، وطلب منه أن يدير لنا الآتاي ويأتي بالخبيزة والزيتون وزيت العود (الزيتون) وإملو ، وبينهما هو يجهزها دخلنا داخل الفلة القديمة التي بنوها في المزرعة وتجولنا فيها وفيها حديقة صغيرة غنّاء تشبه الحدائق الأندلسية وفي وسطها نافورة، ثم تجولنا لمشاهدة الحيوانات كالبقر والغنم والدجاج الذي ينتج بيضاً مميزاً، والأرانب الخاصة لمريم، وأكثر مايعمل ويتاجر به عمر هو العسل الحر والنقي بأنواعه
LesJardins DuMiel ، ثم دخلنا في مكان في الفلة وفتح برميلاً كبيراً يحوي العسل وأخذ منه وأعطاني، وإذ به كالبرتقال طعماً، وسألته عن سر طعمه اللذيذ فقال أن النحل كان يتغذى من رحيق البرتقال، ولذلك أصبح طعم العسل كالبرتقال.
جلسنا على البساط والأشجار من حولنا، والماء من تحتنا والفضاء فسيح لأعيوننا ونحن نحتسي الآتاي المفعم بأنواع من الأعشاب، وبالمناسبة فإن استخدام المغاربة للنعناع يكاد يبدو لي أنه أكثر شعب يستخدمه، ولاتكاد تدخل بيتاً أو مطعماً أو متجراً صغيراً إلا وبجانبه نعناعاً، وأخذنا نتحدث بكل مايطرئ علينا حتى أتانا الغروب، فعدنا إلى مكناس وتناولنا العشاء، على أن يأتيني عمر في الصباح لنتجول بمكناس وأهم معالمها...
في الصباح جاء عمر، وأخذني بسيارته، واتجهنا إلى أشهر معلم في مكناس وهو باب منصور وماخلفه من مدينة عتيقة بناها مولاي اسماعيل حكم المغرب منها وبنى جدرانها الشاهقة التي يعلق عليها بعض المغاربة حينما يريد أن يداعب أهل مكناس أنها بناها طويلة لأنه يخاف من الأعداء، فقلت للمكناسيين بل لأنه يحب شعبه ويخاف عليهم من الأعداء.
لم أكن أتصور أني يوماً سأحب مكناس بذلك القدر!! كنتُ أعرف مكناس وكنتُ أظنها مجرد مدينة على الهامش حيث لم تأخذ نصيباً كبيراً من الشهرة كما أخذتها جارتها، ربما لأن جارتها كانت أول موطئ للأدارسها والمسلمين في تلك النواحي أو لأن فاس كانت منارة للعلم والفن، لستُ أدري إلا أن مكناس كبيرة وجميلة، وبينما أنتَ تتجول وترى في الوجوه الطيبة النقية المسالمة لاتملك إلا حبهم وحبها، كانت قريبة للقلب، وذات يوم سألتُ عمر بماذا تشتهر مكناس، فأخذ يقلب ذهنه فقال مشهورة في الزيتون وأن أهلها طيبين، فابتسمت، وبالفعل الطيبة والرقة تناسب في دماء أهلها بوضوح، وهي مدينة وجدتُ نفسي بها، ولا أعلم لماذا! على عكس ماكنت أتوقع، كنتُ أتوقع أنها مجرد مدينة على الهامش سأمل منها وانتظر لأنتقل لغيرها، إلا أني تعلقتُ بها، وستبقى من الأماكن العزيزة على قلبي.
ذهبنا مع عمر إلى ساحة الهديم وهي ساحة مشهورة ينتشر فيها الباعة من كل شيء، وفيها بعض الجلسات والحكاوي والأنشطة الجميلة والخفيفة، وهي تشبه جامع الفناء في مراكش، كما أخذني عمر إلى قبر مولاي اسماعيل ولكن كانت هناك صيانة في ذلك القبر ولم يتسن لنا الدخول، إنما شاهدناه من الخارج، ثم ذهبتُ إلى السجن الشهير والمعروف بسجن قارا، بناه المولى اسماعيل تحت الأرض، وهو سجنُ كبيرٌ فسيح يقال أنه مساحته كبر مساحة مدينة مكناس (أعتقد يقصدون المدينة القديمة)، والمبنى عبارة عن أقواس وعمدان وفوقه فتحات تسمح بدخول الهواء للسجن، ثم ذهبنا إلى بعض المحلات التي تبيع النحاسيات والديكورات المغربية والسجاد الذي يحيكه غالباً الأمازيغ بأيديهم دون آلات ويبعونه في الاسواق، ثم اتجهنا للمحلات التي بجانب الهديم، وفيها كل شيء، فاشترى عمر بعض الاعشاب الخاصة بالشاي وأهداني منها، ثم ذهبت إلى صهريج السواني، وهو عباره عن حوض مائي كبير بناه أيضاً المولى اسماعيل، ولبنائه إياه قصة، ينتهي الصهريج على سور كبير، أما في أجزاءه الثلاثة المتبقية فمكان للمشي وساحات خضراء يجلس الناس حواليه.
في اليوم الثالث لي في مكناس تجولت بنفسي في شوارع مكناس وزرت جامعة المولى اسماعيل وأحياء مختلفة، وتوقفت في مقهى يقال له بيلاستي خلفه فندق ومن أمامه تترأئ لك المدينة القديمة، وفي اليوم الأخير التقيت عمر في أحد المقاهي ومعه صديقٌ له تعرفت عليه لايقل جمالاً عن جمال روح عمر، وتناولنا الافطار في ذلك المكان قبل أن أودعهم لأذهب إلى فاس، وكان عمر قد أتى لي بهدية عبارة عن عسل صافي بعلب زجاجية خاصة عسل البرتقال الذي أحببته.
__________________
ياصبحِ لاتِقبل !!
عط الليل من وقتك..
التعديل الأخير تم بواسطة Neat Man ; 16-07-2017 الساعة 05:15 PM