مـاذا تـقـرأ ؟ ..إلى من يحب القراءة . - منتدى عالم الأسرة والمجتمع
logo

مساحة مفتوحة موضوعات ونقاشات علمية، وثقافية، وفكرية، واجتماعية.

 
قديم 24-01-2012, 03:41 AM
  #36
اللقيا في الخلد
كبار شخصيات المنتدى
 الصورة الرمزية اللقيا في الخلد
تاريخ التسجيل: Sep 2011
المشاركات: 1,342
اللقيا في الخلد غير متصل  
ما أعرف نفعاً كالعزلة عن الخلق خصوصاً للعالم و الزاهد
فإنك لا تكاد ترى إلا شامتاً بنكبة أو حسوداً على نعمة ،
و من يأخذ عليك غلطاتك .
فيا للعزلة ما ألذها ،
سلمت من كدر غيبة ، و آفات تصنع ،
و أحوال المداجاة و تضييع الوقت .
ثم خلا فيها القلب بالفكر ،بعدما كان مشغولا عنه بالمخالطة,
فدبر أمر دنياه و آخرته .


فمثله كمثل الحمية يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها .
و ما رأيت مثل ما يصنع المخالط ،
لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس و كلامهم فيشتغل بها عما بين يديه .


فمثله كمثل رجل يريد سفراً قد أزف ، فجالس أقواماً فشغلوه بالحديث حتى ضرب البوق
و ما تزود . فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل و السلامة من شر المخالطة كفى .


ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم و الزاهد ،
فإنهما يعلمان مقصود العزلة و إن كانا لا في عزلة .
أما العالم فعلمه مؤنسه ، و كتبه محدثه ، و النظر في سير السلف مقومه ، و التفكير في حوادث الزمان السابق فرجته .


فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه ، و تشبث بأذيال محبته ، تضاعفت لذاته ، و اشتغل بها عن الأكوان و ما فيها .

فخلا بحبيبه ، و عمل معه بمقتضى علمه .


و كذلك الزاهد ، تعبده أنيسه ، و معبوده جليسه ،
فإن كشف لبصره عن المعمول معه غاب عن الخلق ، و غابوا عنه .
إنما اعتزلا ما يؤذي . فهما في الوحدة بين جماعة .

فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق ، و سلم الخلق من شرورهما .
بل هما قدوة للمتعبدين ، و علم للسالكين . ينتفع بكلامهما السامع ،

و تجري موعظتهما المدافع ، و تنتشر هيبتها في المجامع .
فمن أراد أن يتشبه بأحدهما فليصابر الخلوة و إن كرهها ، ليثمر له العسل .

و أعوذ با الله من عالم مخالط للعالم ، خصوصاً لأرباب المال و السلاطين ،
يجتلب و يجتلب و يختلب ، فما يحصل له شيء من الدنيا إلا و قد ذهب من دينه أمثاله .


ثم أين الأنفة من الذل للفساق ؟

فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم و لا يدري ما المراد به ،
و كأنه به و قد وقع في بادية حرص و قفر مهلك في تلك البراري .


و كذلك المتزهد إذا خالط و خلط ، فإنه يخرج إلى الرياء و التصنع و النفاق فيفوته الحظان ،
لا الدنيا و نعيمها تحصل له و لا الآخرة .
فنسأل الله عز وجل خلوة حلوة ،
و عزلة عن البشر لذيذة يستصلحنا فيها لمناجاته ،
و يلهم كلا منا طلب نجاته . إنه قريب مجيب

( كتاب صيد الخاطر للإمام ابن الجوزي )
__________________
ما نال أحدٌ من الفضلِ في مالٍ أو جاهٍ أو علمٍ شيئًا بكسب يده، لكن الأمر كله لله، يُقدّم من يشاء بفضله، ويؤخّر من يشاء بعدله.
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:11 PM.


images