رد: رحلة الأحلام في المغرب
الطريق إلى مكناس..
في صباح يوم الأربعاء حزمتُ حقائبي وعانقتُ طنجةَ ونظرتُ إليها نظرة أخيرة وودعتها متجهاً باتجاه الجنوب، كان الشعور جميلاً ولذيذاً بقدر ماهو وداع، إلا إنه شعور الإنجاز أن تكتمل ثلاثة عشر يوماً بنجاح في رحلة الأحلام، اتجهت إلى مكناس نحو عمق المغرب، ونحو أولئكَ الناس الذين تشكلت فكرتي عنهم أولئكَ الذين يعكسون طبيعة المغرب كما تردُ في ذهني إلى الناس الأنقياء، إلى وسط ذلك البلد الذي عرفته، إذا سأمضي قاطعاً عباب المغرب مستفتحاً بسيدي قاسم ومستقراً بمكناس ومبيتاً في فاس ومتنزهاً في إفران ومسلماً على أهل أزروا غاااارقاً في عيون أم الربيع حيث تتجلى طبيعة الإنسان الحقيقة الصافية مع أرض الطبيعة والعذوبة مع أولئكَ البشر الذين لم تخالطهم وحشة الدنيا ووحوش البشر، قد عرفتهم من قبل وأحببتهم وزاد حبي لهم حين وطأت قدماي أراضيهم، كنتُ أحلم حقيقة لأن أكون بين أولئكَ الناس، وتحقق الحلم، لأودعهم وأحيي أهلَ خنيفرة، وأنام في بني ملال، لأصعد نحو بين الويدان حيث الطبيعة العذراء لازالت في خدرها، واتجه نحو ازيلال وأصافحها ثم أودعها سريعاً نحو شلالات أوزود، فأرفع رأسي لها حتى أفارقها نحو مراكش البهجة والنكتة، وأسير صوب أوريكا وأشرب من مائها حتى أرتوي، فأكون كمن تنفستُ المغرب حقيقة قاطعا شماله باتجاه جنوبه.
من طنجةَ أخذت الطريق السيار نحو مكناس، حيث سأقيم بها أربعة أيام، وقبل أن أصلَ إلى القنيطرة أخذني الطريق إلى سيدي قاسم حيث أن هذا الطريق كان منعرجاً وضيقاً، لكنه كان جميلاً بالنسبة لي بالرغم من أني أسير في الظهيرة، كنتُ أمر من جانب الطرق الصغيرة وأشاهد الناس البسطاء والأطفال يلعبون دون أحذية بثياب رثة، البعض يذهب إلى المدراس قاطعا الكثير من الكيلو مترات مشياً وأستاذاً يقف على الطريق لعل أحدهم يقله إلى القرية الأخرى التي يدرس فيها، على جوانب الطريق الكثير من الناس يقفون منتظرين من يعطف عليهم ويأخذهم بسيارته، كنتُ مستمتعاً في ذلك الطريق الذي يجب ألا تتجاوز فيه سرعة السيارة 60 كيلو متر في الساعة، كانت هذه ميزة لي، حيث أحب أن أسير بهذه السرعة لكي يتسنى لي أن أنظر عن يميني وشمالي من قرى ومزارع وومياه وغير ذلك، وصلتُ إلى سيدي قاسم حيث كنتُ أنظر إليها في الخريطة، وكنتُ أتسائل من قبل هل يمكن أن أزورها، وهي مدينة صغيرة تقع في مكان ربما لايذهب إليه الكثيرون، وتحقق ذلك وكانت الفرصة جميلة، مشيت من وسطها وأن أقلب عيني في درهاتها وشوارعها، حتى أخذني الطريق صوب مكناس.
مكناس لم أكن أتوقع أنها ستعجبني كثيراً، كنتُ أتوقع أنها مجرد مدينة أعاد بنائها مولاي اسماعيل وحكم المغرب منها، ثم تلاشت فلم تأخذ ذلك الاسم الكبير، وبينما أنا أسير باتجاه مكناس واقترب منها رويداً رويدا، وكنتُ قد اتفقت مع صديقٌ مغربي يدعى عمر تعرفت عليه في رحلتي بتايلند حيث قابلته وزوجته مريم يقضيان شهر العسل هناك، وتعرفنا على بعض وتشاركنا في بعض الرحلات وتناولنا العشاء معا، فتوقت عرى الصداقة وأصبحنا نتواصل كثيراً عبر الفيس بوك والواتس اب، وكثيراً ماكان عمر يسألني عن وقت مجيئي، وكنتُ قد اخبرته من قبل أنني سأكون في المغرب بشهر خمسة، ولما علمَ أني قادمٌ لمكناس، أصرّ أن نلتقي في أول يوم من وصولي، وكنتُ قد واعدني بأن نلتقي في الخامسة عصراً، وبينما أنا اقترب من مكناس على بعد عشرين كيلو متراً منها، إذ برجلٌ كبير السن يشير بيده فأوقفت سيارتي وقلت له إلى أين تريد أن تذهب، قال إلى مكناس، قلتُ أركب معي فأنا متوجهٌ لها، ركبَ الرجل، وعرف أني لستُ مغربياً، فقال من أينَ أنتَ يا أخي، قلتُ من السعودية، فرحبَ وابدى فرحته وعبر عن مشاعره، وأصرَ أن نعود إلى بيته لنشرب الآتاي، قلتُ له أن الساعة الآن الثالثة ظهراً ولدي موعدٌ مع صديق في الساعة الخامسة، أصر الرجل إصراراً عجيباً على أن نعود إلى بيته، قلت أينَ بيتكَ قال قريبٌ من حيث أخذتني، في قريية لاتبعد عن الطريق إلا ثلاث كيلو، قلتُ لها سألبي دعوتك، ولكن سنشرب الآتاي لمدة دقائق معدودة ونرجع لمكناس، قال لكَ ذلك، (الحقيقة كانت فرصة لأدخل بيتاً مغربياً حتى ولو كان لشخصٍ فقير، فإن ذلك يزيد من رصيدي المعرفي والثقافي عن ذلك البلد، بالرغم من أني دخلتُ بيوتاً كثيرة، ولكن من باب الاستزادة والتنوع) وبينما نحن ننعرج من الطريق المزفلت إلى الطريق الترابي باتجه بيته، قال أعذرني أن بيتي بسيط ومتواضع، قلت له كلنا بسطاء متواضعون، لا تقلق يا أبي، ولما وصلنا إلى بيته كان بالفعل متواضعاً للغاية، حتى الحمام كان مصنوعاً من اغصان الاشجار وبدون باب، والبيت دون أصباغ، أدخلني بيته وأكرمني بما تجود به يده، بل بسخاء روحه، وبينما نحن ندخل إذ به ينادي على أميمية، فتصحو أميمة من نومها، وتأتي إلينا داعكة عينيها، وسلم عليَ، وقال لها أبيها ديري لنا الآتاي، واعتذر لها أن قطعنا عنها النوم، وابتسمت وقالت ماشي مشكل، أميمية تبلغ من العمر ستة عشر عاماً، قدمت لنا الآتاي مع الخبيزة، وقلت لها اجلسي عندنا، فجلست، سألتها هل تدرس قالت لا تركت الدراسة بعد أن وصلت للصف التاسع، فالتفت إلى أبيها بسرعة مستنكراً، وقلتُ لماذا تركت الدراسة!!!؟ قال نريدها أن تخدمنا، قلت لا يا أبي لابد أن تكمل دراستها وتحقق على الأقل شهادة الثانوي، وأنتم ستقومون بانفسكم، وليس من مصلحتها أن تبقى هكذا، قالت أميمة أن الطريق خاوية وأنا أخاف أن أسير من البيت إلى الطريق المزفلت في المسافة الطويلة، قلت لابد أن تبحثي عن أحد يوصلك الطريق، قال أن أبيها أن ذلكَ سيكون مكلفاً ومرهقاً لهم، ابديتي انزعاجي وطلبتُ منه أن يوعدني أن يعيدها السنة القادمة للدراسة، وأكدتُ عليها ذلك، مرَ الوقت سريعاً وطلبت منه أن نذهب إلى مكناس، وحين آنستُ غفلةً من أبيها أدخلتُ يدي في جيبي وأخذت منها مائة درهم ووضعتها في يد أميمية.
اتجهنا صوب مكناس لأذهب لشقتي التي استأجرتها في الحمرية من أمرأة تملك فلة صغيرة حيث سكنتُ في الدور العلوي وهي وابنتها المراهقة في الدور الأرضي، أوصلت الرجل إلى القرب من المحكمة، وأخذ رقمي كي يتصل بي، وطلب مني أن أعود غداً أو بعد غد لأتناول الغداء أو العشاء عنده، ولكني أعتذرت عن ذلك رغم كثرة اتصالاته أثناء رحلتي، ذهبت إلى مكان اقامتي في مكناس بالقرب من مرجان وفرع وزارة الشباب والرياضة، وضعت حقيبتي وأخذتُ حماماً من الماء وبدلت ملابسي حيث سيأتي عمر ومريم ويأخذاني إلى المرزعة التي تقع على بعد خمس كيلو مترات عن مكناس..
سأكمل التفاصيل والأحداث والأماكن التي زرتها في مكناس وانطباعي عنها وعن أهلها...
__________________
ياصبحِ لاتِقبل !!
عط الليل من وقتك..