وقبل سنين اكتشفت المورفينات الداخلية الموجودة طبيعياً في الجسم، وبدأ البحث في علاقة الإبرة الصينية بهذه المورفينات التي يعزى إليها لا إلى غيرها هذا التخدير لمختلف الآلام التي يحس بها الجسم في مناسبات مختلفة والتي لولاها ما استطاع الإنسان أن يحتمل. لو حقنت المادة المورفينية في النقطة العلاجية للإبرة ما كان لها أي تأثير طالما لم تكن هناك إبرة أصلا. إذا لماذا يمكن القضاء على الألم بعد إدخال الإبرة ؟.
إن الإيعازات الناتجة عن الألم، أي التي تسبب الإحساس بالألم، تمر من خلال منطقة في الخلف من الحبل الشوكي. وبعمليات بيوكيمياوية أمكن توضيح أن الخلايا العصبية تفرز المورفينات الطبيعية هنا. وإنه شبه مؤكد إن هذه المورفينات الطبيعية هي التي تسد البوابة بوجه إيعاز الألم مما يمنع وصوله إلى الدماغ. وفي تجارب أجريت على الأرانب أمكن إزالة الشعور بالألم الذي يسببه نتف جلدها باستعمال الإبرة التي تدخل في النقطة العلاجية المناسبة. وكذلك ثبت ما ذكرناه أعلاه وهو أن زيادة التحفيز إلى مستوى أكثر من المطلوب أدى إلى زيادة الألم. والشيء الآخر المهم جداً الذي حصلوا عليه في هذه التجارب هو عندما أخذوا بعض السائل المخي الشوكي من أرنب كان قد حفز بالإبر، وحقنوه على الحبل الشوكي لأرنب آخر لم يشعر الأرنب الآخر بالألم مما يعني أن هناك تعديل نحو الأحسن قد حدث لهذا السائل بعد أن دخلت الإبرة وحفزت الخلايا العصبية.
وفي دراسات وتجارب أخرى ثبت أن التحفيز الإبري سبب زيادة في إفراز هذه المورفينات الطبيعية إلى السائل المخي الشوكي. كما أنهم وجدوا أن إفراز هذه المورفينات كان فقط في المناطق من الحبل الشوكي التي حفزت بالإبر.
وهناك ممرات عصبية من قشرة المخ نزولاً إلى الحبل الشوكي. وهنا أيضاً، يزيل إفراز المورفينات الطبيعية الإحساس بالألم. ولعل هذا يفسر سبب عدم إحساس الجندي عندما يصاب في المعركة أو لاعب الكرة عندما يتعرض لضربة فيحتملانها ثم لا يلبثا أن يقعا من شدة الألم بعد انتهاء المعركة أو اللحظة الحاسمة. ونفس الشيء يفسر قوة التحمل العضلي الهائلة أثناء التعرض لحالات الضغط الشديدة كما في حالة الأم التي استطاعت رفع السيارة بكاملها لكي تخرج طفلها من تحتها ! !.
إن هذه الإفرازات المورفينية الناتجة عن التحفيز تقف أيضا وراء تأثير جهاز التحفيز العصبي العضلي الذي ذكرناه آنفاً والذي يستعمل في العلاج حتى في دائرة الطب المتداول، والذي يستعمله المريض في البيت حسب الإرشادات لخطورة وعدم إمكان إجراء الحقن المورفيني للحبل الشوكي. ولو نظرت إلى المخطط الذي يصاحب هذا الجهاز والذي على أساسه تقوم بوضع الأقطاب الكهربائية تجد أنه مماثل لنقاط العلاج بالإبر الصينية. كما أن طريقة عمله تماثله تماماً، حيث يخرج تيار بمعدل إيعازين قصيرين في كل ثانية ( وهذا تردد يمكن تغييره حسب الجهاز و إرشادات الطبيب ) مثل التحريك الذي يقوم به الطبيب للإبرة وهي في نقطة العلاج الجسمية.
على أن هذا التفسير لا يفسر استمرار التأثير العلاجي، أي استمرار الشفاء، بعد مدة طويلة من العلاج وخصوصاً الشفاء النهائي الذي لا تعود معه الأعراض إطلاقاً. نعم هناك إمكانية أن يكون مستوى الإحساس بالألم قد هبط، بسبب العلاج بالإبر، إلى مستوى معين بحيث إذا عاد مرة أخرى فإن الخلايا العصبية تستطيع التعامل معه كما تتعامل مع الآلام الخفيفة التي تتعامل معها كل يوم مرات ومرات. ولكن هذا لا يفسر لشفاء الحالات التي لا يكون الألم فيها سوى تعبير عن الحالة، وهي في الحقيقة أكثر الحالات. كما أن هناك إمكانية أن يكون الوضع مماثلا للعلاج المتداول الخاص بقرحة المعدة حيث يمنع الحامض المعدي من أن يفرز لإعطاء القرحة مجالا للشفاء، وهو ما يحصل وإن كان مؤقتاً كما ذكرنا لأن الأسباب التي أدت إلى الحالة كالغذاء والشد العصبي بقيت كما هي. ومع ذلك فإنه لا يفسر شفاء الكثير من الحالات التي لا يمكن علاجها بهذه الطريقة.
والحقيقة فإن النظريات التي ذكرنا بعضها ليست إلا محاولة من الإنسان لاكتشاف كيفية عمل هذا العلاج كما هو دأبه في كل شيء، أن يعرف كل شيء. ولا بد أن هناك قوانين معينة تحكم العلاج بالإبر الصينية لعدم إمكانية أن تكون المعالجة عبارة عن معجزة، فالمعجزة تحصل بشكل منفصل ولأسباب معينة، أما العلاج بالإبر الصينية فهو علاج ناجح بشكل مستمر وعلى مر القرون. نعم هناك قوانين، ولكنها ليست معروفة لحد الآن.
استجابة المريض للعلاج :
إن استجابة الحالات المرضية تختلف اختلافاً شديداً. فبعض الحالات المرضية كألم الشقيقة تستجيب غالباً بشكل جيد جداً، في حين أن غيرها كروماتزم المفاصل والربو تستجيب في بعض الأحيان وبشكل جزئي. وهناك أنواع من الحالات كالحالات المعدية والأمراض الخبيثة لا تستجيب مطلقاً، وإن كان يمكن إزالة بعض أعراضها. وعلى كل حال يمكن القول بأن العلاج بالإبر قد نجح نجاحاً تختلف درجته في علاج الأمراض الوظيفية المختلفة كالشقيقة والصداع المزمن والقرح ومشاكل الهضم والتهاب المفاصل والتهاب الأعصاب وعرق النسا والتهاب الجلد والأكزيما وضغط الدم العالي والكآبة والقلق والالتهابات الصدرية وكثير غيرها. أما الأمراض التي تحدث تغييراً في الأنسجة كالتهاب المفاصل الذي أدى إلى تغيرات في سطوح المفاصل فإن العلاج بالإبر لا يمكن أن يكون إلا علاجاً مساعداً لعلاج آخر وليس علاجا يتوقع منه أن يشفي هذه الحالات. وبالطبع ليست هذه التقسيمات سوى محاولة للخروج بإجابات محددة نوعاً ما للسائلين، وإلا فإن النظرة الكلية للمريض تقضي بعدم صحة ذلك تماماً لأن أسباب الحالة المعينة قد تكون مختفية بشكل يؤدي إلى إطلاق هذا الاسم عليها دون غيره مما يعرقل العلاج كما أوضحنا ذلك مراراً.
ثم هناك العامل الفردي بحيث لوحظ أن بعض من يعاني من حالات قلنا إنها لا تستجيب بدرجة كبيرة إلى العلاج بالإبر استجابت بشكل ملفت للنظر، في حين أن حالة أخرى تعتبر من الحالات التي تعالجها هذه الطريقة بسهولة لم تستجب.
ومن العوامل التي تؤثر في استجابة المريض للعلاج هو الوقت من اليوم، واليوم من الشهر الذي يعطى فيه العلاج! فإنه لمعروف منذ زمن بأن الكثير من الأفعال والعمليات الجسمانية لها إيقاع حيوي كذاك الذي يحدث لمدة يوم واحد أو 24 ساعة في أمور مثل درجة حرارة الجسم ومستويات الأملاح والهرمونات في الدم. ويفضل بعض المعالجين التقليديين أن تتم جلسات العلاج في ساعات مختلفة من النهار والليل للحصول على نتائج أفضل.
ومن العوامل التي تؤثر على العلاج الأدوية المتداولة. فبعض هذه الأدوية لها تأثير على الجهاز العصبي المركزي، بل إن منها ما يعطى لهذا السبب كالمهدئات ومضادات الكآبة. فكل مضادات الهستامين التي تستعمل للحساسية أو غثيان السفر غالباً ما يكون لها تأثير على الدماغ. إنه متوقع إذا أن تتعارض الأدوية التي تغير من حالة الدماغ الاعتيادية على العلاج بالإبر وتجعله أقل فائدة. كذلك فإن ملامسة النقاط التي عولجت بالإبر، سواء بالملابس أو باليد أو أية ملامسة تلقائية أخرى، في الأيام التي تعقب العلاج تعتبر تقوية للتحفيز الذي قامت به الإبرة على شكل استجابة التهابية من الأنسجة التي في نقطة العلاج. لذا فإن أي دواء مضاد للالتهاب سيقضي على هذا الأثر المهم والذي يطيل من عمر التحفيز العلاجي. ومن أمثلة هذه الأدوية الكورتزون والأسبرين والبيوتازوليدين التي ذكرنا لك بعض آثارها الجانبية في الفصل الأول، على أن هذه الأدوية تطرد من الجسم بسرعة بعد التوقف عن أخذها مما يجعل العلاج بالإبر ممكناً بعد ذلك.
ويعتقد البعض بأن عليهم أن يؤمنوا بهذا العلاج لكي يستفيدوا منه، وعامل الإيمان بالعلاج هذا يبدو أنه لا يؤثر كثيراً حسب تجربة الأطباء. إلا أن العامل النفسي وراء الموضوع ككل، أعني الرغبة في الشفاء، هي التي تؤثر قطعا على النتائج التي تحصل عليها بغض النظر عن نوع العلاج.
والاستجابة لهذا العلاج قد تكون بتخفيف الأعراض من حيث قوتها وترددها على المريض. وقد تتغير نوعا بأن تصبح أقل إزعاجاً بحيث أن المريض يستطيع أن يعتمد بشكل أقل على الأدوية التي كان يأخذها.
وقد يرى المريض أنه قد بدأ بعمل الفعاليات التي لم يكن يستطيع عملها قبل العلاج.
هذا، ولا تتوقع أن ترى تقدماً في الحال نحو الأحسن منذ الجلسة الأولى، وإنما بعد مرور عدة جلسات علاجية. وعندما يتوقف التحسن فإن المعالجة لا تعود مجدية سواء زالت الأعراض برمتها وبشكل كامل أم لا. وعندما تعود الأعراض بدرجة أخف بعد مدة، وهذا يحدث كثيراً، عندها تجب المعالجة حسب ما يرتأيه الطبيب. وعادة يعود الإنسان بعد ذلك إلى أفضل مما كان عليه، أي إلى أفضل مما حققته الفترة العلاجية الأولى. ويفضل أن تقيم مع الطبيب التحسن الذي حصل وفي أي المجالات بعد 5 إلى 10 جلسات.
ويجب أن تتوقع أن تشتد الأعراض في البداية، وهذا يحدث في الكثير من الحالات، وهو يدل على أن التحفيز قد حدث في نقاط لها علاقة بالمرض، وهو المطلوب. وقد أخبرناك بأن هذا رد فعل عادي جداً ومتوقع في كل العلاجات البديلة التي لا تسكت الأعراض كما هو الحاصل مع الطب المتداول، وإنما تخرجها إلى السطح ( وهذا هو الغرض من الأعراض ) وتحفز القوة الحيوية لكي تقضي عليها.
مع الإدمان والبدانة :
من الحالات التي نجحت طريقة المعالجة بالإبر فيها والتي نالت إعلاماً موسعاً حولها حالات البدانة والإدمان على التدخين والمخدرات والمشروبات الكحولية. فقد نجحت مع البدانة بنسبة 50% بشرط أن تكون لدى المريض الرغبة الحقيقية في تخفيف وزنه. إن الإبر لا تزيل الوزن الفائض وإنما فقط تقلل من أعراض الرغبة في الأكل عند الجوع.
أما الإدمان على التدخين فعادة يكون العلاج بالأذن الذي ذكرناه في الطرق الأخرى. أما نسبة النجاح فحوالي 60%.
ووصلت نسبة النجاح في الإدمان الكحولي إلى 75%. وهنا أيضاً وفي التدخين يعتمد النجاح على رغبة الشخص، وكل ما تفعله الإبر هو تخفيف أعراض الرغبة عند الامتناع كتوتر الأعصاب والدوار والصداع وغيرها.
وفي هذه الحالات توضع الإبر الصغيرة جداً في النقاط المعينة في الأذن وتترك لمدة أسبوعين أو ثلاثة، ثم ترفع عندما يحس المريض بانقطاع الرغبة. بعدها توضع لفترة أخرى وترفع لمدة أطول من الأولى، وهكذا لعدة مرات. وبعد أشهر يكون المريض قد تغلب على الحاجز النفسي وعلى الإدمان.
أما في الإدمان على المخدرات فقد وصلت النسبة إلى أكثر من80%، ولكن كانت نسبة الذين عادوا إليها بعد ذلك عالية أيضا. والسبب هو بقاء الأسباب التي أدت إلى ذلك وهي أسباب اجتماعية في المقام الأول.