ما أعرف نفعاً كالعزلة عن الخلق خصوصاً للعالم و الزاهد
فإنك لا تكاد ترى إلا شامتاً بنكبة أو حسوداً على نعمة ،
و من يأخذ عليك غلطاتك .
فيا للعزلة ما ألذها ،
سلمت من كدر غيبة ، و آفات تصنع ،
و أحوال المداجاة و تضييع الوقت .
ثم خلا فيها القلب بالفكر ،بعدما كان مشغولا عنه بالمخالطة,
فدبر أمر دنياه و آخرته .
فمثله كمثل الحمية يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها .
و ما رأيت مثل ما يصنع المخالط ،
لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس و كلامهم فيشتغل بها عما بين يديه .
فمثله كمثل رجل يريد سفراً قد أزف ، فجالس أقواماً فشغلوه بالحديث حتى ضرب البوق
و ما تزود . فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل و السلامة من شر المخالطة كفى .
ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم و الزاهد ،
فإنهما يعلمان مقصود العزلة و إن كانا لا في عزلة .
أما العالم فعلمه مؤنسه ، و كتبه محدثه ، و النظر في سير السلف مقومه ، و التفكير في حوادث الزمان السابق فرجته .
فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه ، و تشبث بأذيال محبته ، تضاعفت لذاته ، و اشتغل بها عن الأكوان و ما فيها .
فخلا بحبيبه ، و عمل معه بمقتضى علمه .
و كذلك الزاهد ، تعبده أنيسه ، و معبوده جليسه ،
فإن كشف لبصره عن المعمول معه غاب عن الخلق ، و غابوا عنه .
إنما اعتزلا ما يؤذي . فهما في الوحدة بين جماعة .
فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق ، و سلم الخلق من شرورهما .
بل هما قدوة للمتعبدين ، و علم للسالكين . ينتفع بكلامهما السامع ،
و تجري موعظتهما المدافع ، و تنتشر هيبتها في المجامع .
فمن أراد أن يتشبه بأحدهما فليصابر الخلوة و إن كرهها ، ليثمر له العسل .
و أعوذ با الله من عالم مخالط للعالم ، خصوصاً لأرباب المال و السلاطين ،
يجتلب و يجتلب و يختلب ، فما يحصل له شيء من الدنيا إلا و قد ذهب من دينه أمثاله .
ثم أين الأنفة من الذل للفساق ؟
فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم و لا يدري ما المراد به ،
و كأنه به و قد وقع في بادية حرص و قفر مهلك في تلك البراري .
و كذلك المتزهد إذا خالط و خلط ، فإنه يخرج إلى الرياء و التصنع و النفاق فيفوته الحظان ،
لا الدنيا و نعيمها تحصل له و لا الآخرة .
فنسأل الله عز وجل خلوة حلوة ،
و عزلة عن البشر لذيذة يستصلحنا فيها لمناجاته ،
و يلهم كلا منا طلب نجاته . إنه قريب مجيب
( كتاب صيد الخاطر للإمام ابن الجوزي )
__________________
ما نال أحدٌ من الفضلِ في مالٍ أو جاهٍ أو علمٍ شيئًا بكسب يده، لكن الأمر كله لله، يُقدّم من يشاء بفضله، ويؤخّر من يشاء بعدله.