منتدى عالم الأسرة والمجتمع - عرض مشاركة واحدة - مـاذا تـقـرأ ؟ ..إلى من يحب القراءة .
عرض مشاركة واحدة
قديم 24-01-2012, 03:41 AM
  #42
اللقيا في الخلد
كبار شخصيات المنتدى
 الصورة الرمزية اللقيا في الخلد
تاريخ التسجيل: Sep 2011
المشاركات: 1,342
اللقيا في الخلد غير متصل  
ما أعرف نفعاً كالعزلة عن الخلق خصوصاً للعالم و الزاهد
فإنك لا تكاد ترى إلا شامتاً بنكبة أو حسوداً على نعمة ،
و من يأخذ عليك غلطاتك .
فيا للعزلة ما ألذها ،
سلمت من كدر غيبة ، و آفات تصنع ،
و أحوال المداجاة و تضييع الوقت .
ثم خلا فيها القلب بالفكر ،بعدما كان مشغولا عنه بالمخالطة,
فدبر أمر دنياه و آخرته .


فمثله كمثل الحمية يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها .
و ما رأيت مثل ما يصنع المخالط ،
لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس و كلامهم فيشتغل بها عما بين يديه .


فمثله كمثل رجل يريد سفراً قد أزف ، فجالس أقواماً فشغلوه بالحديث حتى ضرب البوق
و ما تزود . فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل و السلامة من شر المخالطة كفى .


ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم و الزاهد ،
فإنهما يعلمان مقصود العزلة و إن كانا لا في عزلة .
أما العالم فعلمه مؤنسه ، و كتبه محدثه ، و النظر في سير السلف مقومه ، و التفكير في حوادث الزمان السابق فرجته .


فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه ، و تشبث بأذيال محبته ، تضاعفت لذاته ، و اشتغل بها عن الأكوان و ما فيها .

فخلا بحبيبه ، و عمل معه بمقتضى علمه .


و كذلك الزاهد ، تعبده أنيسه ، و معبوده جليسه ،
فإن كشف لبصره عن المعمول معه غاب عن الخلق ، و غابوا عنه .
إنما اعتزلا ما يؤذي . فهما في الوحدة بين جماعة .

فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق ، و سلم الخلق من شرورهما .
بل هما قدوة للمتعبدين ، و علم للسالكين . ينتفع بكلامهما السامع ،

و تجري موعظتهما المدافع ، و تنتشر هيبتها في المجامع .
فمن أراد أن يتشبه بأحدهما فليصابر الخلوة و إن كرهها ، ليثمر له العسل .

و أعوذ با الله من عالم مخالط للعالم ، خصوصاً لأرباب المال و السلاطين ،
يجتلب و يجتلب و يختلب ، فما يحصل له شيء من الدنيا إلا و قد ذهب من دينه أمثاله .


ثم أين الأنفة من الذل للفساق ؟

فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم و لا يدري ما المراد به ،
و كأنه به و قد وقع في بادية حرص و قفر مهلك في تلك البراري .


و كذلك المتزهد إذا خالط و خلط ، فإنه يخرج إلى الرياء و التصنع و النفاق فيفوته الحظان ،
لا الدنيا و نعيمها تحصل له و لا الآخرة .
فنسأل الله عز وجل خلوة حلوة ،
و عزلة عن البشر لذيذة يستصلحنا فيها لمناجاته ،
و يلهم كلا منا طلب نجاته . إنه قريب مجيب

( كتاب صيد الخاطر للإمام ابن الجوزي )
__________________
ما نال أحدٌ من الفضلِ في مالٍ أو جاهٍ أو علمٍ شيئًا بكسب يده، لكن الأمر كله لله، يُقدّم من يشاء بفضله، ويؤخّر من يشاء بعدله.
رد مع اقتباس