السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عظم الله اجرك
يا مجرووووحة
المصيبة قد تكون نافعة
د, محمد بن سعد الشويعرالمصائب التي تصيب الإنسان في نفسه، أو في أسرته، أو في مجتمعه ليست شراً محضاً، يوجب الجزع، وإنما هي محك للإيمان، وابتلاء في الصبر، وحسن التحمل,, اذ بها تنقى الأبدان، وتطهر النفوس، ولذا فقد جعل لها الإسلام علاجاً، وبيّن ثواب الصبر عليها، لأنها ابتلاء واختبار يظهر معه، قوة الجوهر، وطيب المعدن.
وقد أبان الله في كتابه طريقة في التسلية، تريح القلوب، وتهدئ ثائرة النفس، وذلك بالصبر والاسترجاع، وقرن ذلك بالجزاء الأوفى من الله، والثواب الذي يرفع الله به درجة الصابر المحتسب، وهو وعد من الله سينجزه سبحانه، كما قال سبحانه: وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون البقرة 155 157 .
ولا يوجد شخص في هذه الدنيا، مهما كان، وبأي موقع حل، لم تصبه مصيبة، من مصائب الدنيا العديدة، أو لم يتجرع ألمها، ويشعر بثقل وقوعها عليه، مهما كان نوعها: صغيرة أم كبيرة، في النفس أو في الممتلكات، ولذا سمى بعضهم الدنيا بدار الاكدار، ومرتع المصائب,, ولكنها دار الابتلاء، ومحك الايمان والصبر.
ولكن وقع المصيبة على المؤمن أخف ألماً، من وقعها على غيره، لأن إيمانه، وقوة عقيدته، وحسن توكله على ربه مما يخفف هذا الوقع، يقول القرطبي في المصيبة: هي كل ما يؤذي المؤمن، ويصيبه، وقد جعل الله عز وجل، كلمات الاسترجاع، وهي قول المصاب: إنا لله وإنا إليه راجعون ملجأ وملاذاً لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين من الشيطان، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيّج ما سكن، ويظهر ما كمن لأنه اذا لجأ لهذه الكلمات، الجامعات لمعاني الخير والبركة، فإن قوله: إنا لله اقرار بالعبودية، والملك واعتراف العبدلله، بما أصابه منه، فالملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله: إنا إليه راجعون إقرار بأن الله يهلكنا، ثم يبعثنا، فله الحكم في الأولى، وله المرجع في الأخرى,, وفيه كذلك رجاء من عند الله بالثواب.
ومن بركة هذا الاسترجاع العاجلة، بالاضافة إلى ما ذكر، ما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله به: إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله خيراً منها.
فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أني قلتها,, فأخلف الله علي برسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير القرطبي .
والمصيبة التي تحل بالإنسان، تختلف بحسب قدرة الإنسان على التحمل، وبحسب ما وقر في نفسه من علاج، مستمد من شريعة الإسلام,, تخفف عن الكاهل، ما ناء به من ثقل، فهي خير للإنسان إذا تحملها بصبر، وأدرك انها جاءته ليمتحن الله إيمانه وتحمله، فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مصيبة تصيب المؤمن، إلا كفّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها رواه البخاري ومسلم.
وحتى تكون المصيبة نافعة، ودافعة الإنسان إلى أن يراجع نفسه، ويحاسبها على أعمالها، ما ورد فيها من أمور، تجعل من يتابعها، يود أن تزداد المصيبة عنده، لكي يزداد من الصبر، والإكثار والدعاء لله فتخف المصيبة عنده، ويشعر بلذة المناجاة، وطمع الدعاء,, ثم فيما أعده الله للصابرين الممتثلين, ولذا فإن مما يتسلى به أهل المصائب:
أن يعلم ان المصائب والشدائد، تمنع من الفخر والخيلاء، والتكبر والتجبر، حيث ألف العز بن عبدالسلام في فوائد الابتلاء كلاماً حسناً، جاء كثير منه في كتاب محاسن التأويل للقاسمي.
وان يوطن نفسه على أن كل مصيبة تأتيه، فإنما هي بإذن الله عز وجل وقضائه وقدره والإيمان بالقدر خيره وشره، وانه من الله تعالى، ركن من أركان الإيمان، يقول صلى الله عليه وسلم: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وعليه أن يجعل مكان الانين والشكوى إلى الخلق، ذكر الله تعالى، وحمده على أن خفّف عنه المصيبة بما هو أعظم، وأن المصيبة لم تكن في الدين، وان يوجه شكواه إلى الله سبحانه، فإنه هو الذي يكشف الضر، ويخفف ألم المصيبة، وان الله هو الرحمن الرحيم بعباده، فلم يرد اهلاكهم بهذه المصيبة، وانما يحب منهم التضرع إليه، يقول سبحانه: أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء النمل 62 يروى لابن القيم قوله عندما رأى شخصاً يشكو ما ألمَّ به من مصيبة إلى الخلق: يا هذا أتشكو من يرحم على من لا يرحم، ومن يملك الأمر، ويزيل الضر، على من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ما زدت على أن شكوت من يرحمك، على من لا يرحمك.
ومما تسلو به النفس عن المصيبة، ان يتذكر هذا الحديث، عندما سئل صلى الله عليه وسلم: أي الناس، أشد بلاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وان كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، ما عليه خطيئة رواه الترمذي في باب ما جاء في الصبر على البلاء.
وان يدرك صاحب المصيبة، ان سلفنا الصالح، كانوا يتمنون المصيبة تحل بهم، سواء في الولد بوفاته أو بأحد المقربين إليه، أو مصيبة تحل بالمال، لرغبتهم في الأجر، فقد روى سعيد بن منصور أن ابن عباس رضي الله عنهما، نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ راحلته، ثم صلى ركعتين، فأطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته، وهو يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين البقرة 45 .
واذا عرف المصاب بالمصيبة: ان الله قد جعل المصيبة دافعاً لتقوية الإيمان، وأمر سبحانه بالالتجاء إليه: دعاء واسترجاعاً، وتحملاً وصبراً، وقد وعده على ذلك بالبشارة العاجلة، والأجر الجزيل في الآخرة، وهو وعد من الله، ووعده سبحانه حق,, فإن هذا من أمكن الطرق في التسلية، وامتثال القدوة بالعمل والاحتساب,, يقول سبحانه: وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون فهي بشائر ثلاث كل واحدة لها وزنها ودورها في سعادة النفس البشرية، وراحتها.
وغير ذلك من الأمور، التي يجب أن يتمعن فيها المرء، وفي مردودها على المصيبة والمصاب، بما تسلو به القلوب، وتتعزى به النفوس، حيث تخف وطأة المصيبة، بجانب ما يحس به المصاب المحتسب في تعامله مع المصيبة، فيجد لذة ومسرة، أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، فقد روي في باب الزهد مرفوعا: يود ناس، لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاء .
فالله سبحانه وتعالى، اذا أراد بعبده خيراً ابتلاه بشتى أنواع المصائب، على قدر حاله حتى اذا هذّبه ونقاه، وصفاه، أهّله لأشرف مراتب العبودية في الدنيا,, ويحدد الشاعر مكانه الابتلاء عند الناس بقوله:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
يتبع__