منتدى عالم الأسرة والمجتمع - عرض مشاركة واحدة - قسوة أبنتي هل تربيتي لها على الدلال كانت خاطئه ؟
عرض مشاركة واحدة
قديم 08-09-2009, 11:55 PM
  #20
رهين المحبسين
عضو جديد
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 17
رهين المحبسين غير متصل  
[align=justify]
لم أدخل هنا للنصيحة، حيث يوجد قلبين في قصتك، قلبك الحي وقلبها الميت.!
فماذا تودين أن تعرفي أكثر من أنه في السماء هناك، بعد أن فرغ الله من خلق الأرض، وامتلأت الدنيا وحوشاً وصحاري وكثبان رملٍ يتعلق في المآقي المتعبة، خلق ذلك الرحم فيك وقال: "أنا الرحمن وهذه الرحم، شققت لها اسماً من اسمي، من يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه"..
أنتِ أيتها الأم، أيتها الوهن على الوهن ونصب عينيك اليقين، أنتِ أيتها الكيان والكينونة من جعل للحب لغة، وللحنان لغة، وللأمومة ألف لغةٍ ولغة. أنتِ يا من لا تألم بالألم ولكنها تألم بتمزيق نفسها من أجلنا، أنتِ يا من لا تشقين بمعنى الشقاء فقط، ولكنك تشقين بالجزع والفزع والاضطراب. أنتِ أيتها الأم يا من إن بكت، بكت بدموعٍ ثقالٍ، فيأخذ الله سبحانه تلك الدموع، ويحيلها إلى سياطٍ ثقالٍ لا تحتملها أجسادنا ولا نفوسنا..
أنتِ أيتها الأم التي ظهرتِ في عالمنا الموحش المقيت، فاكتسى كل شيءٍ لوناً جميلاً مختلفاً، وتحركت سماء حياتنا المتحجرة، فرأينا الضياء وشروق الشمس والقمر والنجوم في تلك السماء. أنتِ من أمسكنا براحتيها، فخطونا معها خطواتنا الأولى. أنتِ من انساب بداخل أوردتنا صوتكِ الهامس حين غنيتِ لنا وعزفت ألحان فرحنا. أنتِ من هرعنا إليها باكين مرضى خائفين ومضطربين لا نعلم ماذا نفعل وكيف نفعل، فأحطتنا بتلك الأمومة، غير مختارةٍ لهذا الكم العجيب من الرحمة في تركيبك الفطري، ولكنه لأنكِ (أم).
سأقتبس هنا قصة الحياة، فهي تحكي كثيراً عنك أيضاً..
قصة العمر التي تبدأ باثنين، وهي دائماً تبدأ باثنين.
شاب وفتاة، في مقتبل العمر، شاب بأحلام الشباب وطموحات الشباب، وفتاة بأحلام الفتاة وطموحات الفتاة. الشاب كان مثقف جداً، وسيم جداً، يعلم ما يريد ويريد تحقيق ذاته، والفتاة كانت مثقفة جداً، أنيقة جداً، أمورة جداً، وتريد تحقيق ذاتها أيضاً.
ارتبط الشاب والفتاة ببعض والأحلام كبيرة كبيرة، وكان من ضمن الأحلام عش الزوجية، المملكة السعيدة، وتحقق حلم المملكة السعيدة، ودبت الحياة بعش الزوجية، وبدأ التفكير بالحلم الثاني، الأطفال.. لحظات سعادة لم تنتهي، حتى أتى ذلك اليوم، تعبت الفتاة وذهبت للدكتور الذي ابتسم وقال أنت حامل..
مرحلة جديدة في حياتهم! تحضيرات وسعادة مشوبة بالقلق والخوف والتعب..
فرحين وسعداء جداً بالضيف القادم، لكن هذه الفرحة لها ثمنٌ غاليٍ جداً، أيامٌ وليالٍ طويلةٌ من الانتظار والمعاناة، الفتاة متعبة، آلام في كل حركة وسكنة، لا راحة في الوقوف ولا راحة في الجلوس، فماذا عن المشي، لا راحة في اليقظة ولا حتى في النوم، الأكل بدون طعم، والطعام الذي كانت تحبه أصبحت تكرهه، بالرغم من كل هذا، كانت مبتسمة، وتعمل في منزلها وتطبخ، وكل هذا لا يكفي الضيف القادم، فتجده يرفس، وهي تبتسم، ثم تأتي اللحظة المنتظرة، الولادة..
الفتاة تساق إلى المستشفى كما الذبيحة التي تساق إلى المذبح، الألم رهيب، ولأول مرةٍ تتذوق مثل هذا الألم، والشاب خائف، لحظة حاسمة، ربما تأتي الأقدار بما لا نريد.. ويستمر الألم حتى خروج الضيف، نعم هذه حقيقة، فلم يشترينا أهلنا من المحلات كما كانوا يقولون.. خرج الجنين وبكى وصرخ، والفتاة بقمة الانهيار والارتعاش والعرق البارد على جبينها ودموع الألم في عينيها، تمد يديها لتحتضنه وتقبله ودموع الألم قد أصبحت دموع فرحٍ وسعادةٍ الآن، وتدعو الله له.
سبحان الله.. تكون أول قبلتين منهما للابن وأول صفعةٍ منه تكون لوالديه..
كائنين عجيبين هاذين الوالدين، آيتين من آيات الله، وخاصة الأم، يحتملان غضبك، آذاك، طفولتك المزعجة، ويقابلان ذلك بالحب والرحمة والدعاء لك، والحكي والتحاكي عنك، بل ربما يمتدحون ابنهم بما ليس فيه.. لأنهم والدين فقط.
موقف يظهر أمامي لأمٍ تقطع الليل ساهرةً بجانب ابنها الرضيع، وهي تعاني من مغض أو غيره من الأعراض المصاحبة للرضاعة. أمٌ تخلت عن كافة أحلامها وطموحاتها، لتبني مع طفلها قصوراً من الخيال في حلمه الجميل، تخلت عن سنين عمرها، لتكون بعمره فتتحدث معه وتلاعبه..
موقفٌ آخر لأمٍ وأبٍ يفترشون الأرض، يطعمون هذا ويتحايلون على هذا ليأكل، مثل طيرين كبيرين على حرف العش، يطعمون أفراخهم، والطيارة هذه رايحه وين، والقطار هذا رايح وين!! لا يستطيعون تركهم حتى يجوعوا، فربما يجوعون ولا يعرفون كيف يشتكون!
موقفٌ آخر لأبٍ ملك السعادة والفرح كله، حينما مشى ابنه أولى خطواته، فشعر بأنه فتح له القسطنطينية وأتى حاملاً له ذلك الشرف، أو حينما سمع من ابنه كلمة (بابا)، فكأنما نطق بالقرآن كله. أبٌ آخر تخلى عن كل أحلامه وطموحاته، ليؤمن لهم مستقبلهم، وأصبح حلمه تحقيق أحلام أولاده، الأب وجد أنه ليحقق أحلامهم، يجب أن يسافر ويبتعد، يسافر لكي يؤمن لهم المستقبل، معادلة صعبة، لأجل أنك تحبهم يجب أن تبتعد، نفس العين التي ابتسمت أصبحت تبكي في الطريق للمطار، ساعات الرحلة طويلة، ووصل بلد الغربة، فتح الباب، فوجد الصمت، في تلك اللحظة تساءل القلب..
أين الضجيج العذب والشغب *** أين التدارس شابه اللعب
أين الطفولة في توقدها *** أين الدمى في الأرض والكتب
أين التشاكي دونما غرضٍ *** أين التشاكي ما له سبب
أين التباكي والتضاحك في *** وقت معاً والحزن والطرب
أين التسابق في مجاورتي *** ملقاً إذا أكلوا وإن شربوا
يتزاحمون على مجالستي *** والقرب مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بسوق فطرتهم *** نحوي إذا رهبوا وإن رغبوا
فنشيدهم بابا إذا فرحوا *** ووعيدهم بابا إذا غضبوا
وهتافهم بابا إذا ابتعدوا *** ونجيهم بابا إذا اقتربوا
بالأمس كانوا ملء منزلنا *** واليوم ويح اليوم قد ذهبوا
وكأنما الصمت الذي هبطت *** أثقاله في الدار إذ غربوا
إغفاءة المحموم هدأتها *** فيها يشيع الهم والتعب
ذهبوا أجل ذهبوا ومسكنهم *** في القلب ما شطوا وما قربوا
إني أراهم أينما التفتت *** نفسي وقد سكنوا وقد وثبوا
وأحس في خلدي تلاعبهم *** في الدار ليس يصيبهم نصب
وبريق أعينهم إذا ظفروا *** ودموع حرقتهم إذا غلبوا
في كل ركن منهم أثر *** وبكل زاوية لهم صخب
حتى إذا ساروا وقد نزعوا *** من أضلعي قلبا بهم يجب
ألفيتني كالطفل عاطفة *** فإذا به كالغيث ينسكب
قد يعجب العذال من رجل *** يبكي ولو لم أبك فالعجب
هيهات ما كل البكا خور *** إني وبي عزم الرجال ... أب

لم تنتهي القصة بعد..

وتمر السنين طويلة، وهنالك منزلٌ، نفس المنزل الذي خطت به تلك الفتاة يوماً ما، الجدران مكتوب عليها، والأبواب مخدوشة، وبجانب التلفزيون نظارتين، واحدة للنظر والأخرى للقراءة، ودواء الضغط ودواء السكر، وعصا، وصالة كبيرة، فيها رجل كبيرٌ في السن وامرأةٌ عجوز، صامتان وحيدان، نفس الشاب والفتاة الذين تحدث عنهما في بداية القصة، ولكن هنالك هذه المرة ابنٌ مشغولٌ في سهره وخروجه الدائم، لا يمر بهذين الشخصين إلا بعد اليومين والثلاثة والأسبوع ربما، وفتاةٌ منعزلةٌ في غرفتها تقطع الوقت فرحاً على النت دون أن تعلم إن كان هنالك أحدٌ غيرها في هذا العالم أم لا، أما هذين الشخصين، فلا أحد يعلم عنهم، متى سأل ابنهم أو ابنتهم عن حالهم وعن صحتهم..

وهنا تبدأ القصة مرةً أخرى..
ابن تلك العائلة ذلك الشاب أو ربما فتاة تلك العائلة تلك الفتاة، في مقتبل العمر، شاب بأحلام الشباب وطموحات الشباب، وفتاة بأحلام الفتاة وطموحات الفتاة. الشاب كان مثقف جداً، وسيم جداً، يعلم ما يريد ويريد تحقيق ذاته، والفتاة كانت مثقفة جداً، أنيقة جداً، أمورة جداً، وتريد تحقيق ذاتها أيضاً..
ارتبط الشاب والفتاة ببعض والأحلام كبيرة كبيرة، وكان من ضمن الأحلام عش الزوجية، المملكة السعيدة..
تحقق حلم المملكة السعيدة، ودبت الحياة بعش الزوجية، وبدأ التفكير بالحلم الثاني، الأطفال.. لحظات سعادة لم تنتهي، حتى أتى ذلك اليوم، تعبت الفتاة وذهبت للدكتور الذي ابتسم وقال أنت حامل..

لم أكرر القصة ولكنها هي من تكرر نفسها، ولكن يا ترى هل هذه المرة تبدأ القصة من هنا، أم تبدأ من النهاية، أم البداية هي النهاية والنهاية هي البداية..

وقضى ربك.. نعم ربك الذي زرع الرحمة في قلوبهم، ولو لم يفعل لما عاش طفل. أم تود أن تطبخ صنفاً يتلذذ به الأولاد، أتعرف مدى الحماسة التي يشعر بها إنسان وهو مقدم على تجربة جديدة، هذا هو إحساسها، لأن ذلك عالمها. تصور بعد كل ذلك، وما فعلته لتدخل السرور بشيء بسيط، قابلها أبنائها بالتجاهل أو ربما بالاستهزاء (أنتي تجربي فينا)؟؟
دموع القلب أقسى من دموع العين، والجرح أتى من أقرب الأرواح إلى روحها..
أب أراد أن يدخل السرور على ابنه، اشترى له جاكيت مثلاً، فأجاب الابن (شكله غبي مو حلو)!! جرح الأب حتى لو لم يبين ذلك.. الوالدين بشر، ولديهم مشاعر، وتجرحهم نسمة الهواء، برغم التماسك والقوة أمامنا، قلوبهم ليست كالقلوب، وأرواحهم ليست كالأرواح، هم رقيقون جداً مع أبنائهم، وسبب ذلك أنهم والدين فقط..
عابرٌ ماتت وهي طفلة، فلم يرد الله لسيدنا نوح أن يرى موت كنعان، برغم كفره وتحديه، فقال في محكم تنزيله "وحال بينهما الموج فكان من المغرقين" رحمةً للقلب الرحيم، حال بينهما الموج، فلم يرى نوحٌ غرق ابنه..
سامحيني أيتها الأم، فلقد يكون من الأبناء من يكسر ظهر والديه..[/align]
__________________
الحقيقة تبدو ولا تكون