السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
*
*
*
الذكـــرى الســادسة
الشفخانة
*
*
*
الطريق طويل إلى بغمان ..
يمشي الهايلكس أربعة أيام .. و نحن .. مجموعة من الشباب .. في الصندوق الخلفي
مع الأغراض و الشنط .. بعضنا نصفه في الصندوق ونصفه معلق في الهواء
و البعض .. رجله خارج نطاق التغطية .. و البعض واقف ليس له مكان يجلس .
يقطع بك الوانيت جبال بكتيكا العالية و أوديتها .. ثم صحاري غزني بغبارها و أتربتها ..
ثم سهول و مزارع ميدان وردك .. بجمالها و روعتها
تقف السيارة أخيراً في كرخمار .. قرية جميلة جداً .. مزارع و أشجار باسقة
و بيوت طين .. الأنهار تجري خلالها .. المياه في كل مكان ..
ترى الصلابيخ في قاع النهر صافية كأن ليس بينك و بينها ماء ..
أعذب من مياه الصحة المعبأة .. و باردة بطبيعتها .. فلا حاجة إلى ثلاجة ..
أشجار التوت .. و المشمش .. في متناول اليد ..
قرية عامرة .. ترى الرجال يخرجون إلى حقولهم في الصباح الباكر
و الأطفال يلعبون في أزقة القرية و سككها .. و بعض الصبية الصغار يخرجون بالماعز لترعى في الجبال
و النساء في أفنية البيوت يخبزن الخبز .. و يكنسن أحواش البقر .. هذه كل حياتهم ..
لا يدرون أن خلف تلك الجبال .. عالم آخر ..
فلا شيئ يربطهم بالعالم .. لا تلفون .. و لا تلفزيون .. و لا حتى جرايد
تبيت في هذه القرية .. لتنطلق في الصباح
تصعد الجبل المجاور للقرية .. لتنزل منه .. إلى جحيم المعركة ..
أليس عجيباً .. أن يفصل هذا الجبل فقط بين جنة الدنيا .. و نارها ..
مجرد أن تنتهي من صعود الجبل و تبدأ في النزول .. يبدأ الاستقبال
قرووم .. قرررام .. شووونج .. فتكمل بقية الطريق ركضاً
و انبطاح .. ركض .. و انبطاح .. لين ينهد حيلك
الطريق مرصود من العدو من بداية نزول الجبل ..
و المجاهدين لا يمشون فيه إلا في الليل ..
و لكن ربعنا .. عرب ..
الحمدلله .. عدّت على خير ..
لا يوجد إصابات .. إلاّ .. حصان .. انقطع نصفين ..
و بوسة على الرأس .. لأحد الشباب ..
شظية صغيرة .. حبّت راسه و هي ماشية ..
حتى إذا وصلت المجموعة إلى قاع الوادي توقف القصف .. العدو لم يعد يرانا
وصلنا إلى المكان المطلوب .. في وادي صخري يقيم المجاهدين على جنباته في خنادق أفقية
محفورة في الجبل .. هناك .. أمضينا فصل الصيف ..
كان معنا طبيب .. الله يحفظه و يغفر له و يتقبل منه .. حبيب ..
عصبي .. بس حبيب
أنشأنا مستشفى ( شفاخانة ) هناك .. عبارة عن غرفة واحدة بثلاث أسرة
اثنان للتنويم .. و واحد خشبي لتقطيع اللحم ( عفواً أقصد للتضميد و الخياطة )
تدخل المستشفى تحسبه ملحمة ( قصاب )
أرجل السرير الخشبية .. صارت عنّابية من تعاقب الدماء عليها ..
و لكن .. سأروي لكم إن شاء الله .. كم مرة ..
شممت .. في ذلك المستشفى .. و من تلك الدماء ..
تلك الرائحة الزكية العجيبة ..
التي لم أشم إلى الآن مثلها .. و لن أنساها ما حييت ..
.. تشمها بأنفك و صدرك و قلبك .. فتنسيك هموم دنياك
تحس بارتياح بالغ ... شيء لا يوصف
لا شك .. أنها من عالم آخر ..
فهي لاشك .. ليست من أطياب الدنيا
وش رايكم .. ؟؟